حذر الله تعالى في كتابه الكريم من "الكفر بالإيمان" فقال عز وجل {وَالْمُحْصَنَاتُ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ
وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي
الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
ومن
البديهي أن "الكفر بالإيمان" يختلف عن الكفر بالله فلو أراد الله تعالى
معنى الكفر المتعارف عليه لقال "ومن يكفر بالله" مثلما قال في آية سورة
النساء "ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً".
إذن
فإن المقصود هنا هو "الكفر بالإيمان" وإذا علمنا أن الكفر معناه التكذيب
وعدم التصديق فإن المعنى المراد يكون "ومن يكذب بالإيمان" فكيف ذلك
والإيمان أمر مشاهد وملحوظ وليس من الأمور الغيبية فالإيمان بالله تعالى
يمارسه المؤمنون بشكل واضح جلي ولا خفاء فيه، إن هذا يصل بنا تلقائياً إلى
أن معنى الكفر المراد هنا ليس هو "التكذيب" وإنما هو المعنى الآخر لهذه
الكلمة والذي جعله الله تعالى مقابلاً للشكر مثل قوله تعالى (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم).
الله
تعالى في سورة المائدة يوضح للمسلم المؤمن أن نعمة الإيمان يمكن أن تتعرض
لخطر عظيم يتمثل في الكفر بها أي جحودها وبطرها وعدم أداء شكرها الواجب
والمستحق، وتوعدّ عز وجل من يكفر بالإيمان بأن عمله سيكون محبطاً وأنه
سيكون في الآخرة من الخاسرين.
ويذكرنا هذا المعنى بقوله تعالى في سورة محمد (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)
إنها نفس الحالة الملتوية الملتفة غير المستقيمة التي تجعل الإنسان يجحد
بنعمة الإيمان بدلاً من أن يستشعرها ويؤدي شكرها اللازم، بل يصل به الحال
إلى درجة أن يتبع كل أمر يغضب الله ويكره حالة الرضوان من الرب الكريم،
والنتيجة الواحدة في الحالين هي أن يحبط العمل.
لنتأمل
الآن الأمر الجلل الخطير الذي جعله الله تعالى مقدمة وتمهيداً لـ"الكفر
بالإيمان" وجحود نعمة الإيمان، إن هذا الأمر هو مسافحة النساء واتخاذهن
أخدان، فكأن الله تعالى يؤكد لنا أن فتنة الشهوة بالمرأة يمكن أن تقود
الإنسان إلى طريق مظلم يفضّل فيه إقامة العلاقة في الخفاء ومن وراء ستار
وبدون أي التزام أو عهد أو ميثاق إنها حالة من التفلت واتباع الشهوة بغير
عقل ولا حكمة ولا خوف من الله.
اتخاذ
المرأة خدينة أو مسافحتها يوصف بأنه سلاح الشيطان المدمر الذي يستدرج به
الإنسان المؤمن لكي يجعله لا يستشعر ولا يدرك ولا يستحضر عظمة وجمال وروعة
نعمة أنه من المؤمنين وأن الله حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكرّه إليه
الكفر والفسوق والعصيان، إنها مجرد خطوة تعقبها خطوات، فالشيطان ليس هدفه
الحقيقي هو وقوع العلاقة الباطلة المستترة التي لا تقوم على أساس من رضا
الله وإنما هدفه هو أن يكفر الإنسان بنعمة الإيمان فيحبط كل عمله ويكون في
الآخرة من الخاسرية، ولكن الرب الودود المجيد جعلها إشارة واضحة وإنذاراً
لا غموض فيه فالذي ينوي أن يقيم هذه العلاقة غير الشرعية مع المرأة إنما
يعرض نفسه للكفر بالإيمان، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة التي تسمح لنفسها
بأن تكون علاقتها مع الرجل في إطار المساحفة واتخاذ الأخدان فإنها تجازف
بكفر نعمة الإيمان أي جحودها وعدم شكرها مما يؤدي إلى إحباط العمل بالكامل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق