عندما
يستقر الإنسان حياتيًا، فيكبر أولاده، ويستقلوا أو يسافروا ويبتعدوا
مكانيا وغالبًا ما تأخذهم مشاغل الحياة، ويتقاعد من العمل، أو تخف
مسؤولياته فيه، ينتابه إحساس بأن حياته أصبحت على الهامش، بأن الوقت أصبح
ثقيلا رتيبًا، وبأنه لم يعد في الحياة المزيد.. ولكن هذا خلاف الحقيقة،
وإنما مجرد تصورات سلبية تسرق هذه الفترة الذهبية "ربيع العمر".
لماذا هي الفترة الذهبية؟، ولماذا تُسمى ربيع العمر؟.
لأنها
ربما الفترة الوحيدة في العمر التي يتمكن فيها الإنسان من إدارة وقته
بحرية، أن يفعل ما يحب دون خوف من شطط ونزوات المراهقة، ولا ضياع الرعية
وإرهاق المسؤوليات كما في العقود السابقة، أخيرًا.. يجد الإنسان نفسه مع
نفسه!
حرًا
في وقته، لديه من الخبرات والثقافة ما يجعله مؤهلا ومستعدًا لتجربة أشياء
جديدة، والتعمق في اختياراته، وبدء مرحلة جديدة تلامس قلبه ووجدانه أكثر.
إذا
شعرت بأن وقتك صار عبئا عليك، وأنك تحس بفراغ كبير، فاعلم أنك مازلت
أسيرًا للمرحلة المرهقة من الأعباء والالتزامات التي عشتها في السنوات
السابقة، وأنك لم تدرك بعد حجم النعمة العظيمة والفرصة الرائعة في هذه
المرحلة المميزة من حياتك.
فكر فيما يسعدك
إنه
وقت أن تفكر في نفسك، بدلًا من أن تظل حاملا لهموم الآخرين.. البعض يضيع
هذه الفترة من حياته في القلق على أحبابه، وفي القلق من الأمراض، وفي
الاستسلام للأحزان والذكريات، فيحبس نفسه في دائرة من الوساوس والغموم، رغم
أنه لو أطلق العنان لقلبه لوجد الكثير من الأشياء التي تسعده.
إذا
شعرت برغبة في أمر يُسعدك فأفصح عنه، وأعلن بوضوح عما لا تريده، واقطع
الطريق عمن يريد استغلالك، وسهل الأمر على أحبابك بأن توضح ما تريد.
اتبع شغفك
هذه
الأحلام المؤجلة طويلًا ربما آن الأوان لتحقيقها، هذه السنوات التي كنت
فيها تدور بين المسؤوليات والالتزامات وتحقيق الذات ودفنت فيها ميولك
وهواياتك انتهت، وبدأت صفحة جديدة أكثر تمكينًا، فأخرج المخبوء من ذاكرتك،
وابدأ في رعاية شغفك، لا تقل قد كبرت وهل هذا أوان التعلم مثلًا؟.. أو أوان
القيام بعمل جديد لا خبرة لي فيه؟.. أو كيف سأسافر وحدي؟.. فكل هذه عوائق
من العقل فقط، وما أن تبدأ ستجد الأمور أيسر بكثير، خاصة عندما يقترن الشغف
بالنية الصالحة التي تربط الدنيا بالآخرة.
لا تدع الآخرين يتحكمون بك
لا
في رؤاهم ولا نظراتهم وتفضيلاتهم، فمن الخسارة الشديدة أن تضيع دقائق
حياتك الغالية أسيرًا لتوقعات الآخرين وتعليقاتهم أو خجلًا منهم.
تحرر من ضغط المثالية وفوّض مهامك
يعاني
بعض الناس من إرهاق يعرف بـ"هوس المثالية"، فهم يسعون لأداء كل أمورهم على
أكمل وجه، وهذا نظريًا أمر جميل، لكن الحياة تحتاج إلى المرونة، تحتاج إلى
تخصص وتركيز في أمور محددة، حان الوقت لتتخفف من هذا الضغط، فوّض بعض
المهام التي لا ترتاح فيها ويمكن لغيرك أن يؤديها.
تعمق.. وتواجد أكثر
"ألهاكم التكاثر"..
هو حالنا مع الدنيا، لكن كلما ركزنا على الجوهر أكثر تضاءل اهتمامنا
بالتجميع والتكاثر، اشعر باللحظات أكثر من عدّها، تواجد في حياة من حولك
بعمق، تواجد بكلماتك في قلوبهم وإن قلت، بأفعالك في حياتهم وإن كنت
بعيدًا..
آن الأوان أن يخشع القلب في صلاته وذكره وعبادته، أن يحضر القلب ويركز، أن يمتد الذكر موصولا بالتفكر والشعور أكثر من التعداد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق