قرأت مؤخرا مقالة يحلل صاحبها مفهوم "الشغف"
الآخذ في الانتشار مؤخرا، ينتقد هذا الاستخدام الكثيف للكلمة، وينتقد
المفهوم أيضا، معتبرا إياه تضليلا وعبثا.. ويدور مقاله حول وهم أن تعيش
سعيدا وتحقق نفسك بلا تعب، ويؤكد على أن التعب والجهد هو شرط للنجاح في
الحياة.. وتأكد لي في ختام هذا المقال أن الكاتب لا ينتقد مفهوم الشغف
حقًا، بقدر ما ينتقد أطروحات بائعي الأحلام الوردية المخدرة من بعض
المتصدرين للتنمية البشرية وعلم النفس الإيجابي.
والشغف
لا يعني الجلوس بلا عمل، أو النوم بتفاؤل أحمق على أمل الحصول على الحياة
الرغدة بمجرد التفكير الإيجابي، الشغف هو أبعد ما يكون عن هذه الحالة
العبثية.
لغة
بداية فإن الشغف لغة هو حجاب القلب وغلافه، فهو – كما جاء في المعاجم- يشير إلى ما باطن القلبـ وما يمسه ويدخل من غلافه إلى سويدائه.
وفي معجم الرائد، شغف اليبيس : نبت فيه الأخضر.
فهو إذن من الناحية اللغوية ما يتعمق إلى داخل القلب ويحول اليابس إلى مُخضر.
وهي
لفظة عربية لذا فإنني أحب استخدامها وأفرح بانتشارها في ظل هذا التعريب
البغيض لكلمات أجنبية للتعبير عن حالة شعورية أو وصف لشخص، مما يخرج لنا في
النهاية كلمة ممسوخة منبتة الصلة عن عقولنا وثقافتنا، وعن الثقافات
الوافدة أيضا.. مجرد كلمات ممسوخة.
وقد وردت في القرآن الكريم للدلالة عن شدة الولع والعشق، في قوله تعالى عن امرأة العزيز {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} يوسف: 30.
وجاءت في كلام العرب، هذا قيس ليلى يقول:
وما حُبّ الديار شَغَفْن قلبي ... ولكن حبُّ من سكن الديارا
فالكلمة
في أصلها واستخدامها العربي بريئة من أوهام الكسل والبلادة، وإنما تعبر عن
الحب والولع والاهتمام الحقيقي الذي يتمكن من القلب، ودعونا نصدق أنفسنا..
إن ما يتمكن من القلب حقا، ويتمكن من شغافه، سيؤثر بلا شك على السلوك
ويدفع الإنسان بقوة إلى اتباعه والنشاط الشديد للحصول عليه.. سواء كان خيرا
أو شرا، فشغف امرأة العزيز دفعها للملاحقة والكيد الدائبين.
وانتقد كاتب المقال مفهوم الشغف
– كما يروج له- لكونه ارتبط في أذهان البعض بالتنقل بين الأعمال، وعدم
إتمام المهمات، وترك البذل المستقر لأجل التجريب المستمر، وهذا قد يكون له
سلبيات بالفعل، ولكن ما دام الإنسان حيّا فمن حقه أن يُجرب ويتعلم ويدخل في
أبواب جديدة، وقد يؤدي هذا الاتساع في النهاية إلى إتقانه وابتكاره،
فالابتكار هو الوصل بين أمور جديدة، فينتج عنها أمر جديد.
وجادل الكاتب من يقولون بأن للإنسان شغف
عليه أن يصل إليه، وأنك ربما تكون ناجحا في أمر ليس شغفك، مؤكدا على أن ما
يتعلمه الإنسان ويتقنه هو شغفه، وأن ليس في الأمر أسرار.. كما جادل الزعم
بأن الشغف يجعل الإنسان يعمل دون تعب ويقبل دوما على الإنجاز دون فتور،
مؤكدا على أن هذا مستحيل.
وأعتقد
أن الكثيرين نجحوا بالفعل في أمور لا تناسبهم، فكم من شخص درس وتخصص في
مجال أجبره عليه أبوه مثلا، وهو لاجتهاده بعد توفيق الله له حقق فيه نجاحا،
لكنني أوافق المروجين للشغف في هذه النقطة، فلو أن الإنسان درس وتخصص فيما
يحبه ويميل إليه سيكون نجاحه أكبر بكثير، كما أنه وإن تعب وتكاثرت عليه
المهام سيظل محتفظا بطاقته وهمته للعمل، لأنه يشعر بقيمة ما يفعل، ويشعر
بأنه يناسبه، ويحبه في الأصل.. بخلاف تخصصه فيما لا يوافقه أو يضاد ميوله.
نعم
ليس في الأمر سحرا، وقد يشغف المرء بأمور عديدة، وقد يجد الشغف بعد وقت من
التعلم والتدرب، لكن دعونا نتفق على أن أعمارا كثيرة أهدرت في مشقة وأد
الشغف لصالح مجال يشغف الآخرين.
وهنا نأتي إلى القاعدة الأهم للشغف – قالها ستيف جوبز-: الحياة أقصر من أن تعيش حلم شخص آخر.
في المقال القادم بإذن الله نتحدث عن: كيف تجد شغفك؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق